الغزالي

147

إحياء علوم الدين

ما هو مرادهم . ولذلك لا يشتهي عدوك موتك ، بل يشتهي أن تطول حياتك ، ولكن في عذاب الحسد ، لتنظر إلى نعمة الله عليه ، فينقطع قلبك حسدا . ولذلك قيل لا مات أعداؤك بل خلدوا حتى يروا فيك الذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة فإنما الكامل من يحسد ففرح عدوك بغمك وحسدك ، أعظم من فرحه بنعمته . ولو علم خلاصك من ألم الحسد وعذابه لكان ذلك أعظم مصيبة وبلية عنده . فما أنت فيما تلازمه من غم الحسد ، إلا كما يشتهيه عدوك فإذا تأملت هذا ، عرفت أنك عدوّ نفسك ، وصديق عدوك ، إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة ، وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة ، وصرت مذموما عند الخالق والخلائق ، شقيا في الحال والمآل ، ونعمة المحسود دائمة ، شئت أم أبيت باقية . ثم لم تقتصر على تحصيل مراد عدوك ، حتى وصلت إلى إدخال أعظم سرور على إبليس الذي هو أعدى أعدائك ، لأنه لما رآك محروما من نعمة العلم ، والورع ، والجاه ، والمال ، الذي اختص به عدوك عنك ، خاف أن تحب ذلك له ، فتشاركه في الثواب بسبب المحبة ، لأن من أحب الخير للمسلمين كان شريكا في الخير ، ومن فاته اللحاق بدرجة الأكابر في الدين لم يفته ثواب الحب لهم مهما أحب ذلك . فخاف إبليس أن تحب ما أنعم الله به على عبده من صلاح دينه ودنياه ، فتفوز بثواب الحب ، فبغضه إليك ، حتى لا تلحفه بحبك ، كما لم تلحقه بعملك . وقد قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله [ 1 ] الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « المرء مع من أحبّ » وقام أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فقال [ 2 ] يا رسول الله ، متى الساعة ؟ فقال « ما أعددت لها ؟ » قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ، إلا أنى أحب الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم « أنت مع من أحببت » قال أنس ، فما فرح المسلمون بعد إسلامهم كفرحهم يومئذ . إشارة إلى أن أكبر بغيتهم كانت حب الله ورسوله . قال أنس ، فنحن نحب رسول الله ، وأبا بكر ، وعمر ، ولا نعمل مثل عملهم ، ونرجو أن نكون معهم